عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

349

اللباب في علوم الكتاب

أي لملحقون ، وقال : حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ [ يونس : 90 ] أي : لحقه ، ويقال : أدرك فلان فلانا ، وأدرك الغلام الحلم ، أي : بلغ ، وأدركت الثمرة ، أي : نضجت ، فثبت أن الإدراك هو الوصول إلى الشيء ، وإذا عرف هذا فنقول المرئيّ إذا كان له حدّ ونهاية ، وأدركه البصر بجميع حدوده وجوانبه ونهايته صار ذلك الإبصار كأنه أحاط به فتسمّى هذه الرّؤية إدراكا . أما إذا لم يحط البصر بجوانب المرئيّ لم تسمّ تلك الرؤية [ إدراكا ، فالحاصل أن الرؤية ] « 1 » جنس تحته نوعان : رؤية مع الإحاطة [ ورؤية لا مع الإحاطة ، والرؤية مع الإحاطة ] « 2 » هي التي تسمى إدراكا ، فنفي الإدراك يفيد نفي الجنس ، فلم يلزم من نفي الإدراك على اللّه - تعالى - نفي الرؤية عن اللّه ، وهذا وجه حسن في الاعتراض على كلامهم ، فإن قالوا : إن قلتم : إنّ الإدراك يغاير الرؤية ، فقد أفسدتم على أنفسكم الوجوه الأربعة التي تمسّكتم بها في هذه الآية الكريمة على إثبات الرؤية . قلنا : هذا يفيد أنه إدراك أخصّ من الرّؤية ، وإثبات الأخصّ يوجب إثبات الأعمّ ، أما نفي الأخصّ فلا يوجب نفي الأعمّ ، فثبت أن البيان الذي ذكرناه يبطل كلامهم ، ولا يبطل كلامنا . وثانيها : أن نقول : هب أن الإدراك يفيد عموم النّفي عن كل الأشخاص في كلّ الأحوال ، فلا نسلّم أنه يفيد نفي العموم ، إلّا أن نفي العموم غير ، وعموم النفي غير ، وقد دلّلنا على أن هذا اللّفظ لا يفيد إلا نفي العموم ، وبيّنّا أن نفي العموم يوجب ثبوت الخصوص « 3 » . وأما قولهم : إن عائشة تمسّكت بهذه الآية في نفي الرؤية ، فنقول : معرفة مفردات اللغة إنما تكتسب من علماء اللغة ، فأمّا كيفية الاستدلال بالدليل ، فلا يرجع فيه إلى التّقليد ، وبالجملة فالدليل العقليّ دلّ على أن قوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ يفيد نفي العموم وثبت بصريح العقل أن نفي لعموم مغاير لعموم النّفي ، ومقصودهم إنما يتمّ لو دلّت الآية الكريمة على عموم النفي ، فسقط كلامهم « 4 » . وثالثها : أن نقول : صيغة الجمع كما تحمل [ على الاستغراق فقد تحمل ] « 5 » على المعهود السّابق أيضا ، وإذا كان كذلك ، فقوله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وهي الأحداق وما دامت تبقى على هذه الصفات التي هي موصوفة بها في الدنيا لا تدرك اللّه تعالى ، وإنما تدرك اللّه تعالى إذا تبدّلت صفاتها ، وتغيّرت أحوالها ، فلم قلتم : إن حصول هذه التغيرات لا تدرك اللّه تعالى .

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) ينظر : الرازي 13 / 105 . ( 4 ) ينظر : المصدر السابق . ( 5 ) سقط في أ .